المقريزي
404
المقفى الكبير
يراه من الشهود . وكان التجّار قد جمعوا من بينهم ثلاثة آلاف دينار ضيافة للمؤتمن وحملوها إلى مكين الدولة . فلمّا أحضرها إلى المؤتمن أنكر عليه وأمره بردّها إلى أربابها . فأخذ مكين الدولة يتلطّف به ويقول : نجعل عوضها طيبا وطرفا ممّا عند التجّار فإنّه لا كلفة عليهم في ذلك . فأقسم أن لا يقبل منهم شيئا ، فأعادها إلى أربابها . واستمرّت الأسمطة في كلّ يوم تعمل من مال الارتفاع . وشرع المؤتمن في ترتيب أحوال الثغر وعمارة ما تشعّت منه ، ولم يقبل لأحد هديّة . ثمّ خلع على مكين الدولة وسار لتمهيد ما اختلّ من البلاد فسدّد الأمر في ذلك ، وعاد إلى القاهرة . فمدحه عدّة من الشعراء ، منهم أبو الفتح محمد بن قادوس ، وأبو القاسم عليّ بن الصيرفيّ . وكان سبب عوده أنّ « 1 » الخليفة الآمر لمّا تغيّر على الوزير المأمون ، بعث أستاذا من ثقاته في أمر ندبه إليه ، وأسرّ له أن يجتمع بعليّ بن السلّار في خفية ، ويبلّغه سلام الخليفة ويقول له : إنّنا ما زلنا نلتفت إليك وندّخرك لمهمّاتنا ونتحقّق فيك الموافاة لنا . وإنّا بحمد اللّه قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا . وقد تلوّنت أحوال المأمون ، وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتّسع لنا ذكرها . ومقصودنا أن تكتم ما نقول لك . فلمّا بلّغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال : السمع والطاعة لمولانا وأنا مملوكه وباذل نفسي في خدمته . فقال له الأستاذ : هكذا واللّه قال عنك . قال : فما يأمر به ؟ قال : تحدّث رفقتك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن . ثمّ تركه . ففارق ابن السلّار المؤتمن ، ومعه قايماز ، ودرّيّ الحرون . فتبعهم بقيّة الأمراء ، وصار المؤتمن مستوحشا ، وكتب إلى أخيه المأمون بذلك ، وكان يشعر بتغيّر الخليفة عليه فلم يحرّك ساكنا . وتقدّم إلى الخليفة عند حضوره على العادة وقال : يا مولانا ، صلوات اللّه عليك . وصل كتاب عبدك أخي وهو يشكو من طول مقامه خارج القاهرة ، وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة ، ويسأل الفسحة له في العود إلى الباب الكريم . فقال : مرحبا وأهلا ! وهذا كان رأينا ، ونحن مشتاقون إليه ، وإنّما قصدنا رضاك فيما رتّبته له ، يقدم على بركة اللّه . فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتّب في ولاياته من يختار . فلمّا دخل جلس له الخليفة في غير وقت الجلوس تشريفا له وخلع عليه . فلمّا دخل شهر رمضان سنة [ تسع ] عشرة وخمسمائة ، حضر المأمون والمؤتمن السماط بقاعة الذهب من القصر في أوّل ليلة . فأكرمهما الخليفة بما أخرج إليهما ممّا كانت يده فيه . وبعث يستأنس بالمؤتمن لحضوره السماط مع أخيه . فعاد في الليلة الثانية فزاد الخليفة في إكرامهما ، وأذن للمأمون أن يدخل إليه ليؤاكله ، ولم يتقدّمه أحد من الوزراء لذلك ، فدخل . وهنّأه الناس بهذه المنزلة وخلع عليه وعلى أخيه المؤتمن من داخل الدار ثيابا داريّة . فلمّا حضرا في الليلة الثالثة السماط بالقاعة استدعي [ 425 أ ] المأمون ليؤاكل الخليفة كما آكله البارحة . فعند ما جلس على المائدة قال له : قد جفونا المؤتمن . - واستدعاه فدخل وصارا في القبضة . وكان قد رتّب لهما من يأخذهما . فلمّا فرغ الأكل وخرجا قبض عليهما واعتقلا في خزانة البنود وأحيط بدورهما . ثمّ قتل مع أخيه في ليلة العشرين من رجب سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة .
--> ( 1 ) في المخطوط : عوده إلى .